محمد بن جرير الطبري
168
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
فبينما هو كذلك إذ مر في طريق وإذا دابة عظيمة في الطريق قد حبست الناس لا تدعهم يجوزون فقال الغلام : الآن أعلم أمر الساحر أرضى عند الله أم أمر الراهب ؟ قال : فأخذ حجرا ، قال : فقال : اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فإني أرمي بحجري هذا فيقتله ويمر الناس . قال : فرماها فقتلها ، وجاز الناس فبلغ ذلك الراهب قال : وأتاه الغلام فقال الراهب للغلام : إنك خير مني ، وإن ابتليت فلا تدلن علي قال : وكان الغلام ، يبرئ الأكمه والأبرص ، وسائر الأدواء وكان للملك جليس ، قال : فعمي قال : فقيل له : إن هاهنا غلاما يبرئ الأكمه والأبرص ، وسائر الأدواء ، فلو أتيته ؟ قال : فاتخذ له هدايا قال : ثم أتاه فقال : يا غلام إن أبرأتني فهذه الهدايا كلها لك ، فقال : ما أنا بطبيب يشفيك ، ولكن الله يشفي ، فإذا آمنت دعوت الله أن يشفيك قال : فآمن الأعمى ، فدعا الله فشفاه ، فقعد الأعمى إلى الملك كما كان يقعد ، فقال له الملك : أليس كنت أعمى ؟ قال : نعم قال : فمن شفاك ؟ قال : ربي قال : ولك رب غيري ؟ قال : نعم ، ربي وربك الله قال : فأخذه بالعذاب فقال : لتدلنني على من علمك هذا ، قال : فدل على الغلام ، فدعا الغلام فقال : ارجع عن دينك ، قال : فأبى الغلام قال : فأخذه بالعذاب قال : فدل على الراهب ، فأخذ الراهب ، فقال : ارجع عن دينك فأبى قال : فوضع المنشار على هامته فشقه حتى بلغ الأرض ، قال : وأخذ الأعمى فقال : لترجعن أو لأقتلنك قال : فأبى الأعمى ، فوضع المنشار على هامته ، فشقه حتى بلغ الأرض ، ثم قال للغلام : لترجعن أو لأقتلنك قال : فأبى قال : فقال : اذهبوا به حتى تبلغوا به ذروة الجبل ، فإن رجع عن دينه ، وإلا فدهدهوه ، فلما بلغوا به ذروة الجبل فوقعوا فماتوا كلهم . وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك ، فقال : أين أصحابك ؟ قال : كفانيهم الله قال : فاذهبوا به فاحملوه في قرقور ، فتوسطوا به البحر ، فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه قال : فذهبوا به ، فلما توسطوا به البحر قال الغلام : اللهم اكفنيهم ، فانكفأت بهم السفينة . وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال الملك : أين أصحابك ؟ فقال : دعوت الله فكفانيهم ، قال : لأقتلنك ، قال : ما أنت بقاتلي حتى تصنع ما آمرك ، قال : فقال الغلام للملك : اجمع الناس في صعيد واحد ، ثم اصلبني ، ثم خذ سهما من كنانتي فارمني وقل : باسم رب الغلام ، فإنك ستقتلني قال : فجمع الناس في صعيد واحد قال : وصلبه وأخذ سهما من كنانته ، فوضعه في كبد القوس ،